أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي
28
تقييد العلم
بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة الكتاب وغايته الحمد لله العلي الأعظم ، الأعز الأكرم ، الذي علم بالقلم ؛ علم الإنسان ما لم يعلم ؛ وصلى الله على الصادق الأمين ، الناطق المبين ، محمد نبينا المختار ، وعلى إخوانه المصطفين الأخيار ، وأهل بيته الأبرار ، وأزواجه أمهات المؤمنين ، وتابعيهم بالإحسان إلى يوم الدين ، ورحمة الله وبركاته عليهم أجمعين . أما بعد فان سبحانه جعل للعلوم محلين : أحدهما القلوب ، والآخر الكتب المدونة ، فمن أوتي سمعاً واعياً ، وقلباً حافظاً ، فذاك الذي علت درجاته ، وعظُمت في العلم منزلته ، وعلى حفظه معوله ؛ ومن عجز عن الحفظ قلبه ، فخط علمه وكَتبه ، كان ذلك تقييداً منه له ، إذ كتابه عنده آمن من قلبه ، لما يعرض للقلوب من النسيان ، ويتقسم الأفكار من طوارق الحدثان . وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحُه " . فحمل جماعة من السلف حكم كتاب العلم على ظاهر هذا الخبر ، وكرهوا أن يكتب شيء من الحديث وغيره في الصحف ، وشددوا في ذلك وأجاز آخرون منهم كتاب العلم وتدوينه . وأنا اذكر بمشيئة ما روي في ذلك من الكراهة ، وأبين وجهها . وأن كَتْبَ العلم مباح غير محظور ، ومستحب غير مكروه . وبالله تعالى استعين ، وهو حسبي ونعم الوكيل .